فخر الدين الرازي

79

تفسير الرازي

والفواكه العطرة عنده ، وما كان يمكنه تناول شيء منها ، وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية كامل القوة ، وما كان يجد ملء بطنه طعاماً ، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال ، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة ، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه . أما قوله : * ( فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ) * ففيه قولان : القول الأول : أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى ، والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق ، وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو الله تعالى ، وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلاً وأقوى جسماً وأكثر وقوفاً على المصالح والمفاسد من المولى ، وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من الله تعالى كما قال : * ( تعز من تشاء وتذل من تشاء ) * ( آل عمران : 26 ) . والقول الثاني : أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكاً لله تعالى ، ثم على هذا القول ففيه وجهان : الأول : أن يكون هذا رداً على عبدة الأوثان والأصنام ، كأنه قيل : إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم ، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه ، فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في الملك ، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية ، والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا : إن عيسى ابن مريم ابن الله ، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء ، فكيف جعلتم عبدي ولداً لي وشريكاً في الإلهية ؟ . ثم قال تعالى : * ( فهم فيه سواء ) * معنى الفاء في قوله : * ( فهم ) * حتى ، والمعنى : فما الذين فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم ، حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك . ثم قال : * ( أفبنعمة الله يجحدون ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : * ( يجحدون ) * بالتاء على الخطاب لقوله : * ( خلقكم وفضل بعضكم ) * والباقون بالياء لقوله : * ( فهم فيه سواء ) * واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقرب الخبر عنه ، وأيضاً فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين ، والمسلمون لا يخاطبون بجحد نعمة الله تعالى . المسألة الثانية : لا شبهة في أن المراد من قوله : * ( أفبنعمة الله يجحدون ) * الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم . فإن قيل : كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام ؟ .